|
21/2/2010
|
|
|
|
واصل مؤتمر المواطنة جلساته وفي ثاني جلساته تحت عنوان " المواطنة في اطارها التطبيقي والتعددي: برئاسة الاعلامية أمل عبد الله تحدث الدكتور اعليه علاني أستاذ التاريخ المعاصر بكلية الآداب والفنون والإنسانيات منوبة تونس، الذي يشارك بورقة تحت عنوان " المواطنة لدى النخب العربية:
|
|
|
|
|
واصل مؤتمر المواطنة جلساته وفي ثاني جلساته تحت عنوان " المواطنة في اطارها التطبيقي والتعددي: برئاسة الاعلامية أمل عبد الله تحدث الدكتور اعليه علاني أستاذ التاريخ المعاصر بكلية الآداب والفنون والإنسانيات منوبة تونس، الذي يشارك بورقة تحت عنوان " المواطنة لدى النخب العربية: تونس والكويت نموذجا قال فيها :
ظهرت المواطنة عبر التاريخ في أشكال مختلفة و بمضامين متباينة لكن منذ نهاية القرن الثامن عشر الى اليوم اقترنت المواطنة بتطور الانسان و سعيه الدءوب نحو مزيد من الحرية والمساواة والكرامة أي نحو تحقيق إنسانيته واحترام كينونته.
أن تكون مواطنا يعني ببساطة أن تكون عضوا في دولة ديمقراطية مؤسسة على علاقة تعاقدية يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات الأساسية و أمام القانون. هذا ما أكدت عليه النخبة التونسية والكويتية بمختلف أطيافها. فالحريات العامة ودولة القانون والمؤسسات والمشاركة السياسية لكل التيارات وحق العمل والشغل لكل الفئات وحق التعليم والمساواة بين المرأة و الرجل، كل هذه الحقوق تشكل دعائم المواطنة.
و اختيارنا لنموذج من المشرق وآخر من المغرب العربي (الكويت وتونس) كان:
أولا، بسبب التشابه في الاتفاق حول المصطلح.
وثانيا، بسبب التجربة التحديثية التي شهدتها الكويت وتونس من خلال طبيعة الاصلاحات التي عرفها البلدان.
فدستور تونس 1959 ودستور الكويت 1962 يؤكدان على أن الأمة هي مصدر السيادة ويكفلان حقوق التعبير والتنظيم والمعتقد. و شهد البلدان أيضا منذ الاستقلال الى اليوم حراكا اجتماعيا حيث عبرت مختلف التيارات السياسية عن موقفها من قضية التنمية والديمقراطية، كل من منطلقه . فكانت هذه التباينات أحيانا مصدر ثراء وأحيانا مصدر صراع وأزمات.
تتناول هذه الورقة كذلك جردا لمواقف النخبة بكل أطيافها الليبرالية واليسارية والقومية والإسلامية في كل من تونس والكويت من مسألة المواطنة. والملاحظ أن البلدين رغم صغر حجمهما تمكنا من قطع أشواط على درب الحداثة والعقلانية والتسامح، وهي شروط لازمة لمواطنة سليمة وفعالة.
إن تنصيص مجلة الأحوال الشخصية التونسية منذ 1956 الى اليوم على حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل في الوظائف والمناصب الادارية و السياسية أعطى لمفهوم المواطنة بعدا حداثيا و تقدميا. كما خلقت نضالات المرأة في الكويت، لسنوات طويلة، واقعا جديدا تكرس في 2005 بحصولها على حق الانتخاب و الترشح للبرلمان فكانت المفاجأة كبيرة في انتخابات 2009 بصعود أربع نساء يمثلن تسعة بالمائة من أعضاء البرلمان نجحن بطريقة الانتخاب المباشر لا بالكوتا كما هو سائد بالعديد من البلدان العربية، وقد شكل ذلك منعرجا حاسما في تحديث المجتمع الكويتي. ولم تنقطع المفاجآت، فكان قبول الحكومة الكويتية مؤخرا مبدأ المساءلة والاستجواب أمام البرلمان خطوة نوعية أخرى في جعل قطار الديمقراطية يسير بنسق أسرع نحو ما يعبر عنه فقهاء القانون بالحكم الرشيد
ويبرز ثراء التجربتين التونسية والكويتية من ثراء الحركية التي عاشها المجتمعان خلال العقود الاخيرة ومن خلال تجاوب السلطتين في كلا البلدين مع مقتضيات التحديث. لكن مازال ينتظر البلدين المزيد من الإجراءات لكي تتحقق المواطنة الشاملة بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية خاصة وان الآليات متواجدة و الإرادة السياسية متوفرة.
إن المواطنة التي نريدها لشبابنا ولجميع الفئات هي تلك التي تزاوج بين القيم الكونية والخصوصيات الثقافية والتي تسعى لأمن الوطن وسلامة المواطن.
المواطنة في الخليج
المواطنة في المجتمعات الخليجية كانت عنوان البحث الذي شارك به الدكتور سعيد حارب من الامارات ، ويقول حارب في ملخص بحثه : تعتبر دول مجلس التعاون الخليجي من الدول حديثة النشأة ، فمازالت هذه الدول تسعى لاستكمال بنيتها الاجتماعية والسياسية مستفيدة من التطور الذي يلف العالم، ومستفيدة كذلك من إمكانياتها المادية والبشرية
ومع المتغيرات الجديدة التي حدثت خلال العقود الأخيرة شهدت مجتمعات الخليج تحولات واسعة على المستوى الاجتماعي والثقافي والسياسي ، ودخلت مفاهيم وقيم لم يعرفها المجتمع من قبل، على الرغم من أن جذور هذه المفاهيم كانت مدفونة في أرض الواقع إلا أنها لم تثمر عملاُ تطبيقياً، خاصة في المجال السياسي والحريات المدنية والمشاركة وحقوق الإنسان.
وقد انتقلت المجتمعات الخليجية من القبيلة إلى الدولة حيث برزت مفاهيم جديدة ارتبطت بهذا التحول ، وكان من ذلك مفهوم المواطنة الذي لم يكن له دلالة واضحة في الحياة العامة في المنطقة ؛ فالمواطنة مصطلح وافد جاء مع كثير من المصطلحات والمفاهيم السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة حديثا ، فقد كان مصطلح التابعية أو الرعاية "من الرعية" هما المصطلحان السائدان بدلاً عن المواطنة .
وقد مرت المجتمعات الخليجية بتحولات كبيرة ، من أبرزها انتقال المجتمعات إلى مرحلة الدولة المدنية الحديثة بما تفرضه من وجود مؤسسات كالمجالس والوزارات والهيئات وغيرها ، وكان مصطلح المواطنة حاضراً حيث أصبح الرابط لجميع أفراد المجتمع، كما أصبح المعبر عن هوية الانتماء إلى دولة ما.
لكن المواطنة في المجتمعات الخليجية تواجه عدد من المعوقات من أبرزها الانتماء القبلي الذي مازال راسخا تعززه كثير من الممارسات ، إلى جانب المشكلات الطائفية التي تهدد الوحدة الوطنية لبعض المجتمعات الخليجية بين فترة وأخرى .
إن مفهوم المواطنة كحقوق وواجبات لم يصبح حاضراً ـ بعد ـ في ثقافة المجتمعات الخليجية بصفة عامة ، ولذلك قد لا تجد إجابة واضحة عند سؤالك لأي مواطن خليجي ما هي المواطنة، أو ماذا تعني لك المواطنة؟ .
وهذا البحث يناقش فكرة المواطنة في المجتمعات الخليجية ، وأبرز مكومات هذه المواطنة مثل
المساواة و احترام حقوق الإنسان و التسامح و العدالة والمشاركة والانتماء الوطني و تعزيز المجتمع المدني.
كما يناقش البحث النصوص الدستورية المتعلقة بالمواطنة في دساتير وأنظمة الحكم في دول مجلس التعاون الخليجي
ويخلص البحث إلى أنه لابد من تعزيز المواطنة من خلال وسائل التأثير والتربية والإعلام بكافة صوره وأشكاله والاهتمام بالمواطنة في مناهج التعليم ، وضرورة التحول المدني للمجتمعات الخليجية لمواجهة المشكلات الاجتماعية كالقبلية والطائفية ، و تحقيق المواطنة من خلال المساواة بين المواطنين في الحقوق و الواجبات ، واحترام حقوق الإنسان والحرية الشخصية وحرية التفكير و التعبير وترسيخ روح الانتماء الوطني من خلال الأدوار التي يقوم بها المواطن وتمكينه من المشاركة و الديمقراطية بكافة صورها وأشكالها في المجتمع ، وأهمية التوعية بأن مفهوم المواطنة لا يعني العزلة أو الاستعلاء عن الآخرين ، وإنما هو الدائرة الأولى في مكونات الهوية الإنسانية ، التي تشمل الانتماء الديني و القومي والإنساني .
وحول الطائفية والمواطنة في لبنان قال محمود حيدر رئيس مركز دلتا للصحافة والأبحاث المعمّقة في ورقته المقدمه :لا كلام على المواطنة في لبنان خارج حياض الطائفة. حتى لتكاد تبدو الصلة بينهما كصلة الاسم بالصفة، أو كعلاقة المفهوم بظهوره الفعلي ومجال استعماله. وحين وضعنا المواطنة في موازاة الطائفية، فليس لنجعل منهما ثنائية متغايرة، وإنما لنتعامل معهما كقضية واحدة. فعندنا، منذ أن تشكَّل لبنان ككيان سياسي اجتماعي عبر ولاداته المتواترة (دولة لبنان الكبير 1920 وجمهورية الاستقلال 1943 وجمهورية الطائف 1989).. لا شيء ينمو ويتحرك خارج أسوار الطوائف. بالطوائف رُفِعت قواعدُ الكيان الناشئ، وعلى صورتها رُسِمَت خريطة الدولة، وتوضَّح شكل السلطة، واكتمل نظام الاجتماع السياسي. حتى لقد صارت دولة الطوائف هي نفسها الدولة الطائفية. ذلك أن الطوائف لا تلد نظاماً سياسياً دستورياً إلا على شاكلتها. تماماً كالإناء الذي ينضح بما فيه. فيكون الذي ظهر من ذاك الشيء، هو جوهر الشيء نفسه. فلا ظهور لأي تشكيل سياسي أو اجتماعي يقدر على الحركة، من دون أن يتصل بهذا القدر أو ذاك، بشريعة المنظومة الطائفية وقانونها العام.
حتى الظهورات اللاَّطائفية، من أحزاب علمانية، ونقابات جماهيرية، واتحادات، وجمعيات أهلية، وسائر ما استحق مجازاً صفة "المجتمع المدني"، لم تفلح طيلة تاريخ لبنان المعاصر في انجاز فضيلة الاستقلال، والتحول إلى مجتمع مدني حقيقي. فعلى الرغم من فروسية أصحاب تلك الظهورات في خطابهم النقدي، وفي جرأتهم على افتضاح المفاسد الطائفية، بقيت الكتلة المدنية اللاّطائفية تنشط تحت سقف النظام الطائفي، ومكثت دون القدرة على الدفع باتجاه الإصلاح السياسي الفعلي.
ليست المواطنة، بوصف كونها هوية اللبنانيين كأفراد يعيشون تحت رعاية وعناية الدولة الطائفية، سوى مادة هذه الدولة ونظامها. فالأمر هنا لا يتعلق بالإرادة والرغبة وحكم القيمة، بقدر ما يتصل بواقع التاريخ الإجتماعي، وبنمط الحياة التي افترضها روح الدستور وتشريعاته.
ثمة من ذهب إلى بدعة القول بالمتعالي الطائفي، وذلك لسبب يعود إلى مركزية الطوائف في تشكيل الهندسة الإجمالية للروح الوطنية. غير أن هذه المركزية سيكون لها أثرٌ حاسمٌ في إثبات موقعية المواطنة في الحياة اللبنانية. ولقد رأينا كيف فعلت الطائفية فعلتها لتحيل تلك الموقعية إلى فصل حميم من فصول حركتها. ثم ليظهر لنا كم لسلطان الطوائف من شأنية حاسمة في تشكيل حياة مواطنيه.
غير أن المفارقة المذهلة في هذا المقام، هي أن الجمهورية اللبنانية في الوقت الذي تفرض قوانينها على مُواطِنِها في كل الحقول، فإنها لا تعترف به كمواطن إلا بصفة كونه منتمياً لطائفته أولاً، أو آتياً بشهادة من تلك الطائفة تصدِّق انتماءه إليها...
ولذا فمن البيِّن أن كل كلام على المواطن لا يستقيم إلا على خط موازٍ للطائفة التي ينتسب إليها، بالولادة أو بالولاء... ثمة صلة توليدية بين المواطن والطائفة. وبين المواطنة والطائفية. حتى ليَستوي القولُ على نفسٍ واحدة. بحيث يسري ذلك كقانون صارم على كل طائفة من الطوائف الثماني عشرة في لبنان.. والتي هي كناية عن عديد أبنائها المنضوين تحت لوائها السياسي الجغرافي. في حين أن هؤلاء الأبناء ليسوا سوى مواطنين مشوا تحت رايات طوائفهم، كممر إجباري للعبور إلى الوطن.
وعن عشر أطروحات في مركزية الطوائف قال:
لقد وجدنا لنقترب من فهم تعقيدات "الفيزياء التاريخية" للبنان، أن نعاين تأسيساته الطائفية. فعلى أرض هذه التأسيسات - كما نفترض- يمكن أن نتوفّر على ما يدنو من خريطة معرفية تُفيد مسعانا في هذا البحث. وللدخول في مثل هذه المعاينة، نقترح جملة من الأطروحات التأسيسية حول الدور المركزي التكويني الذي لعبته الطوائف في نشوء لبنان:
وتساءل حيدر أي سبيل يُفترض أن يُشَق لكي يحرز اللبنانيون مواطنيتهم؟
واردف قائلا : لا مناص من البدء برسم معالم أولية لعقلانية مواطنة، في مقابل عقلانية الطوائف. لكن من أين الطريق إليها؟ اولاً: إن كان لا مهرب من ذلك، فلنا أن نقترح على اللاّطائفي اللبناني ان يتخذ سبيلاً يفضي به إلى"منطقة معرفية وسطى" من سماتها: القدرة على إدارة التعقيد التاريخي للطائفية من خلال ما نسميه ﺒ ”عقلانية التقريب بين المسلَّمات المتباينة، والوقائع المتناقضة". نقول هذا، ولو لم يوافقنا “مناطقة” الطوائف وفلاسفتهم على مثل هذا الدعوى.
أما تعريفنا الإجمالي لشرائط تحصيل مثل هذه العقلانية، فإنّا نجملُه على الشكل التالي:
أولُها: يكون في الصبر على مالا نقبله أو نرتضيه (عقلاً ونقلاً) من ذهنيات الطوائف، كما نجده في الصبر على ما نحب مما نأتنس إليه من أفكار عن مواطني المدن الفاضلة. وثانيها: يكون في التبصُّر بالنشأة الأولى للبنان. أي بالظروف والأوضاع والأحوال التي حكمت قيامة هذا البلد منذ تأسيسه ككيان سياسي ودولة في الربع الأول من القرن العشرين. فلو عرفنا النشأة الأولى كيف جرت، لهانت علينا معرفة كيف تجري النشآت التاريخية التالية. وثالثها: يكون في إدراك المسافات الطفيفة بين حقائق التاريخ التي جعلت من الطائفية علة وجود لبنان، وبين الأمل المتسامي بوطن يبسط للناس أماكنهم الآمنة والسعيدة. وأما رابع تلك الشرائط، وليس آخرها، فيكون في تدبُّر المفاهيم الوافدة إلينا من عصور الحداثة القريبة والبعيدة. تلك التي لا ينبغي أن نؤخذ فيها على نصاب الدهشة والتطيُّر . إنها المفاهيم نفسها التي أخذناها عن ظهر قلب، وما جلبت إلينا سوى معارف لم تغادر طرف اللسان، وذلك لسبب يعود إلى سوء الفهم، وعطالة التقدير، وسحر الكلمات. وهي على الجملة: مفهوم الدولة- والعلمنة- والمجتمع المدني- والمواطنية- إلى آخر السلسلة مما شقَّ علينا أن نجد سبيلاً له إلى مهاد مستوطناتنا المترامية الأطراف.
المواطنية الخلاّقة
ليس من أمر الضرورة أن يبلغ التشاؤم بإمكان المواطنة مقام الاستحالة. فلا مناص للبنان من أن يدخل سيرورة السلام الدائم لكي تتحقق معه المواطنية الإيجابية الخلاَّقة. ونعني بسيرورة السلام الدائم أن يغادر الإجتماع اللبناني حروبه الأهلية الدورية، كأنْ تفلح نخبه التاريخية من الإمساك بناصية الأزمات السياسية، بما يحول دون تحولها إلى عنف مسلح. وذلك يقتضي أن يتوفر اللبنانيون بطوائفهم ومذاهبهم ونُخَبِهم الفكرية وهيئاتهم السياسية على قاعدة معيارية تلزمهم الأخذ بها في سرَّاء السياسة وضرَّائها. عنيت بها العقلانية والأخلاقية.
وهنا يمكن التكلّم عن ثلاثة مستويات وصولاً إلى مقاربة هذه القاعدة:
- المستوى الأول، وهو ما يذهب إليه كل الذين آذتهم الطائفية، واكتووا بنارها سحابة أجيال مديدة. وقوام قول هؤلاء يبدأ من شعار إلغاء الطائفية السياسية، لينتهي بهم القول إلى رفع شعار العلمانية الكاملة.
- المستوى الثاني، ومؤداه على خلاف ما يمضي إليه دعاة الشعارين المتغايرين السابقين. أصحاب هذا المستوى، يقولون باستحالة العلمانية الكاملة، وأيضاً بصعوبة إلغاء الطائفية السياسية. ويستدلون على ذلك بشواهد التاريخ اللبناني التي تكتظ بالإحترابات الأهلية الباردة والعنيفة. وهؤلاء على التعيُّن هم أهل التقليد الذين أخذوا بسجايا اللعبة الطائفية فارتضوها مذهباً لهم، وخلعوا عليها صفات التقديس، وتعاملوا معها كقضاء وقدر لا رادَّ له. وخلاصة ما ينبري إليه هؤلاء هو التسليم بالأطروحة الطائفية.
- المستوى الثالث وهو ما نقترحه كسبيل مدّعى، إلى مواطنة سويَّة في وطن سويّ. ذلك ما نجده في ما سميناه "المنطقة الوسطى". وهي المنطقة المعرفية التي سنحاول عن طريقها رسم رؤية جديدة لمستقبل لبنان على قاعدة "الممكن بين المستحيلين":
- نعني بالمستحيل الأول، استحالة التوحُّد اللبناني على القواعد الكلاسيكية للهوية الوطنية ولا سيما تلك القواعد التي ألفتها المجتمعات الحديثة من خلال ما عرف بظاهرة الدولة / الأمة ذات السيادة على الأرض والشعب.
- ونعني بالمستحيل بالثاني، استحالة الانفراط الكامل للعقد الاجتماعي السياسي القائم على الصيغة الطائفية. فإنه عقد عصيٌّ على الموت. بل هو كطائر الفينيق الذي يُبعث من رماده أثر كل جحيم. ذلك ما قالته وتقوله الأيديولوجية اللبنانية بيَقين لا يدانيه شك، وذلك ما بيّنته لنا اختبارات الاحتدام على مدى عمر الاستقلال، فرأينا كيف آلت التسويات التاريخية بعد كل حرب أهلية إلى حُجُرات الطوائف ووئامها.
- أما الممكن بين المستحيلين، فهو ما يمكن انتزاعه من ضفتي الاستحالة معاً. وهو ما أشرنا إليه فيما سبق باعتباره عقلانية التقريب بين المستحيلين.
هذا يستظهره اللبنانيون من منجزات التجربة التاريخية لتسوياتهم وعيشهم المشترك. وهي المنجزات الكامنة في منطقة وسطى، من مزاياها التعقل والتخلُّق وواقعية المواطنة. ومن غاياتها السعي الصادق لاستيلاد إمكان تاريخي لوطن تتصالح فيه رزمة من الثنائيات المتضادة: الطائفي مع الوطني، الديني مع العلماني، والأهلي مع المدني، والمحلي مع الإقليمي. وثمة في الشخصية اللبنانية من المزايا ما يؤهلها إلى التكيُّف مع تعقيدات عيشها السياسي. وبوسع اللبنانيين حين يتسنى لهم مفارقة جحيم الأزمات أن يجدوا لمواطنيتهم المتأمَّلة محلاً تسكن فيه بأمان، ضمن فسحة من سلام أهلي طويل الأمد.
ثالثا:- نزع العنف كسبيل إلى المواطنة العقلانية
عندما كتب الفيلسوف إيمانويل كانط مشروعه للسلام الدائم في العالم، كان مدفوعاً بشغفٍ مرير من أجل أن لا تتحول المدن - كما كان يقول- إلى مقاهي مؤقتة تقابلها مقابر أبدية. لم يكن يهم كانط، يومئذٍ أن يسقط فعل الكتابة لديه ليصبح مجرد أحلام كاذبة. وكان يقول: "لاينبغي أن يكون هناك حرب أصلاً... ولقد أراد أن يتحول بالسلم العالمي من موضوعة رجاء دينية، إلى مشروع فلسفي غايته تهذيب الإنسان الحديث، والارتقاء به من بربرية المتوحشين القائمة على العنف والحرب، إلى ما يسميه "الضيافة الكونية".. كان يريد مشروع سلام دائم يحلق في أفق المواطنة الكونية.
ماذا لو اقتربنا لبنانياً من مثل هذا السبيل من المواطنية؟
صحيح ان لبنان الآن هو في قلب النار. وأنه كان سحابة الأعوام التي تلت اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شتاء 2005، على قاب قوسين او ادنى من جحيم أهلي أعِدَّ له بإتقان، لكن الصحيح ايضاً، أنه كان بالإمكان اجتناب النار، والنأي بالبلاد من الكوارث الأهلية المحدقة.
نزعم، ان ثمة إرادة لبنانية لدى أبناء الطوائف والمذاهب جميعها في الإعراض عن العنف، وعدم الدخول في جحيمه المدَّمر. وهذا مرُّده الى حدسٍ شعبي لبناني، يستشعر هول الكارثة قبل وقوعها. حتى اذا وقعت لم يستجب لها إلاّ من وجد في العنف سبيلاً الى قلب المعادلات، وإعادة تشكيل الأوضاع وفقاً لرغبات ومصالح لا تمت الى مصلحة لبنان والعرب والمسلمين بأية صلة. صحيح أن مبدأ العنف يقع في اساس نشوء لبنان منذ العام1920 . لكن من ضرورات اللحظة الراهنة القول إن تقديم العقل على العنف سيمكِّن اللبنانيين من اجتناب اختبارات الموت المفتوح.
الإتفاق على الهوية التاريخية
لعل مسألة الخلاف على تاريخ لبنان، هي المسألة الخلافية الكبرى بين الطوائف. ولا سيما لجهة ماهيّة هذا التاريخ، وهويته، ومن أين يبدأ، وما هي الصيغة التي تُفصِح للبنانيين عن تاريخهم وتحظى برضاهم في الوقت نفسه؟
ثمة تصور يضعه الصليبي ونوافقه عليه. وهو يأتي في سياق بلورة مقترح نظري، حيث يُحتمل أن تغادر النخب اللبنانية بواسطته مأزق العثور على تصور واحد لتاريخ بلدها.
حقائق التجربة التاريخية اللبنانية المعاصرة ثلاثة استنتاجات:
- الأول، هو أن تجربة الحرب الأهلية في لبنان أثبتت، بما لا يقبل الشكّ، أن أي طرف من اللبنانيين، لا يمكنه أن يفرض رأيه بسهولة على الطرف الآخر.
- الثاني، وجود مؤشرات واضحة على أن البلد قد بلغ الإجماع السياسي الأساسي لدى الأكثرية المواطنية يجعل استمرار وجود لبنان كدولة مستقلة ذات سيادة داخل حدوده الراهنة أمراً ممكناً.
- الثالث، هو أن العالم العربي، ومهما يكن موقفه الأولي من لبنان، أصبح يقبل بالجمهورية اللبنانية كما هي موجودة فعلاً؛ ويفهم البنية الحساسة للمجتمع اللبناني ويقدرها كما لم يقدرْها في السابق.
غير أن مثل هذا التفاؤل الذي نريد له أن يُنقل من المجاز إلى الحقيقة، يبقى رهناً بتبدلات جذرية في أفهام ومعارف اللبنانيين حيال تاريخهم وهويتهم. وهي الأفهام والمعارف التقليدية التي لم تبرح تلقي بثقلها على البنية الصمّاء للثقافة السياسية اللبنانية.
المواطنة كعقيدة ولاء
يندرج الكلام على المواطنة ضمن حلقات متصلة، لا تنتهي في تراتبية الثقافة السياسية اللبنانية. ذلك يعني أن واجبية تحقق المواطنة تنطلق من الحاجة إلى ترميم الصدع الذي رسخته الأفعال المذمومة لما نسميه ﺑ "المواطنة المركبة" على امتداد تاريخ لبنان الحديث.
والمواطنة المركبّة -على ما ظهرت لنا في اختباراتها- هي ما تترجمه شخصية الفرد اللبناني من حيث، كونها شخصية متشكِّلة من إزدواجية الولاء للطائفة والوطن في الآن عينه.
لكن كيف لنا أن نستولد من هذه المعادلة الشاقة سياقاً لاجتياز المعضلة؟
مرة أخرى نعود إلى الإشتغال داخل "المنطقة الوسطى" بغية استيلاد مواطنية تنأى عن التركيب والجمع بين ولاءين متناقضين... مثلما تنأى من مواطنة تمضي إلى الذوبان الكامل في بحور طوائفها. من صفات "مواطنية المنطقة الوسطى" أنها تاخذ بسبيل الوصول إلى المواطنية الفاعلة. أي التي تحيل المواطنة إلى واقع ممكن التحقيق. فهي بينما تعترف بالمواطنة المركّبة كحالة موضوعية للبنان ترسخّت على امتداد زمن طويل من الحروب والتسويات والعقود السياسية، تروح تحفر مجراها المغاير للمألوف الطائفي. وإذا كانت القوانين والأعراف هي الباب الذي جاءت منه مواريث النظام الطائفي، فإن تبديلها بقوانين وأعراف مدنية لاطائفية سيولِّد سيرورة جديدة من الآمال بوطن موحّد ومواطنية جامعة.
مستهل الطريق إلى مواطنية بهذا التوصيف، تستلزم تثمير التسويات التي عادة ما تعقب النزاعات والحروب الأهلية. كأن يتفق اللبنانيون على رزمة من القوانين المستمدة من الدستور الأساسي، تطلق سيرورة من الخطوط والعمليات السلمية على قاعدة فك الإشتباك المزمن بين الطائفي والوطني. وهما العاملان المنتجان لازدواجية الإنتماء والولاء في البيئة التاريخية اللبنانية.
مستهل الرحلة باتجاه مواطنية الولاء، هو تظهير مكامن الفطرة الخيّرة في النفس اللبنانية، وترجيح العام الوطني على الخاص الطائفي. وكل ذلك بعقلانية مسدّدة بالأخلاق. حتى يرجع اللبنانيون إلى بيت الحكمة. ولبيت الحكمة منازل كثيرة كما في مأثور القديس يوحنا في إنجيله. فإذا ما تم تنظيف السقائف اللبنانية بالمعاسف. فستكون هنالك طرق لا متناهية يمكن من خلالها إعادة النظر في تاريخ لبنان، وصياغته على نشأة الإدراك لحقيقة الوطن الحق والمواطنة الحق...
|
|