لماذا الموقع أبحاث ومؤلفات مقالات ندوات ومقابلات صحفية برامج مرئية تغطيات أنشطة وفعاليات
الدورة التدريبية عـن " مفاهيم المواطنة والتمكين والنوع الاجتماعي للمرأة الكويتية "
محاور الدورة التدريبية عـن " مفاهيم المواطنة والتمكين والنوع الاجتماعي للمرأة الكويتية "
محاور الدورة التدريبية عـن " المواطنة المدنية في الكويت "
الإشكاليات السسيوثقافية والتشريعية للمواطنة والتمكين:حالة المرأة الكويتية
المواطنة في الكويت
المواطنة
لماذا الموقع

على ضوء التساؤلات المتناسلة الكثيرة للمواطن الكويتي في الآونة الأخيرة ، حول الهوية الوطنية وعلاقتها بالأنا الفردي والفئة التي ينتمي لها دينية (إسلامية مسيحية ) ، مذهبية (سنة شيعة) ، مناطقية (خارجية وداخلية) ، مدنية (حضر وبدو) تاريخية (كويتيون أوائل وكويتيون جدد)...ونتيجة لبروز صور من المواطنة الإقليمية والكونية الواسعة التي أثرت على مكونات وقواعد المواطنة المحلية للدولة...

أنبثق في الكويت سيل عارم من الإشكاليات والمظاهر المهددة لقيم الوحدة والاندماج والتعايش الوطني ، عن طريق المقولات والتصريحات في الثقافة العامة ووسائل الإعلام وفي المؤسسات العامة الرسمية ، وأيضاً في علاقات المواطنين فيما بينهم إذ باتوا يقدمون هويتهم العائلية والفئوية الخاصة على حساب الهوية الوطنية الموحدة والجامعة...

وليس من قبيل الصدفة أن ينتج عن كل ذلك تراجع بتصنيفات الكويت بالعديد من المنظمات الدولية وينتشر أصناف من الفساد وتتنامي المقولات والسلوكيات المتطرفة والمتعصبة وينحدر أداء وكفاءة الخدمات العامة بمعظم المجالات مما يبرهن عن وجود إختلالات عميقة في مفهوم المواطنة انطلاقا من إمكانيات فهمها وأنتهاء بآليات تطبيقها على أرض الواقع...

فالمواطنة إذاً عملية تكاملية تتطلب وجود " القيم " وتتكرس عبر " الممارسة " لتلك القيم ولا يمكن أن ترى النور مواطنة ناجحة دون أن تكون " فعالة "  ، ففي الكويت هناك مخزون كبير من الموروث القيمي والدستوري الذي ينص صراحة على قيم المواطنة المتساوية والمتسامحة وهناك عدد لا بأس به من آليات الممارسة وإنما تكمن الإشكالية الكبرى في تفعيل تلك القيم لتمارس بشكل إيجابي وديناميكي ونشط...


ثــالوث الإختلال

أم الإشكاليات المتعلقة بالمواطنة تكمن بثالوث الإختلال الأتي:

الغياب: فالمواطنة ليست محل تداول شعبي ورسمي متواصل ، كما إنها لا تشكل قضية مفصلية ومحورية في المجالات المؤسساتية على الصعيد المعرفي والتربوي والإعلامي والتشريعي وأيضاً لا تمثل أولوية هامة في برامج تنظيمات المجتمع المدني.
الإزدواجية: وتتعلق في إستثمار مفهوم المواطنة من الناحية اللفظية في الخطابات والأحاديث لتسجيل إنطباع وموقف إيجابي عن الأشخاص المرددين لها في حين يعبر سلوكهم وأعمالهم عن أهداف مغايرة تمس سلامة المواطنة.
الخوف: إذا يجد الكثيرين بأن قيام مواطنة مدنية متساوية تذوب الفوارق والتمايزات المجتمعية ، إنما هي محاولة لتجريدهم من إمتيازاتهم ومراتبهم الخاصة القائمة ، الأمر الذي ولد مشاعر قلق وخوف من الآخر...

كما يوجد في أشكاليات المواطنة ثالوث الإختلال الاجتماعي الكامن في الأتي:

المذهبية: ذات الطبيعة الدينية ما بين سنة وشيعة التي تخضع التفاعلات والمنافع الإدارية والوظيفية والثقافية والاجتماعية في الدولة لأدوات التنافس والصراع المذهبي الأيديولوجي الذي يميز بين المواطنين ليس لكفائتهم وإنتاجيتهم وإنما لإنتمائهم لهذا المذهب أو ذاك..
القبلية: التي يتمترس المواطنين في علاقاتهم البينية حول هويات عصبوية قبلية تتحول بها ممارسات الديمواقراطية والعملية الانتخابية ومؤسسات الدولة لغنيمة ولكسب خاص بهذه القبيلة أو تلك...
الطبقية: التي يلعب بها دور رأس المال التجاري والمعيار التاريخي في التواجد على أراضي الدولة مكانة جوهرية لإحتلال موقع الصفوة ونيل إمتيازات إستثنائية على حساب بقية الكيانات الاجتماعية...

على ضوء ثالوثي الإختلال المذكورين ، تنبع أهمية مفهوم المواطنة ليعالج الأزمات والإختلالات والإشكاليات التي تعيشها الدولة ويعاني منها المجتمع ، لأننا متيقنين بأن الأزمات التي تطفو على السطح السياسي إنما هي نتيجة لمخاض الحراك الاجتماعي الحاصل في القاع ، الذي يتعامل فيها الطبقي مع أبناء وطنه على أنهم بمرتبة موظفين في شركة ، والقبلي على طريقة تعامل شيخ القبيلة مع أفراد القبيلة ، وكذلك الحال مع الذهنية الدينية المذهبية التي تعامل الآخرين على طريقة المشايخ والمراجع الدينية.

وبالمقابل تسعي المواطنة المدنية لخلق مجتمع مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات ، مجتمع مواطنين لا مجتمع رعايا ، مواطنة أفقية متساوية لا مواطنة عمودية هرمية ، كما تهدف لتدشين مواطنة الكل لا مواطنة البعض ، مواطنة يحصل بها المواطن على مكانته بناءاً على آهليته وكفائته وإبداعاته وليس بناء على تفوقه العرقي والمذهبي والطبقي ، فالمواطنة إذاً هي محصلة إنتصار من يفكرون بمصلحة الدولة والمجتمع ويحافظون على الثروات المادية والطبيعية والبيئية بمواجهة من يفكر بمصالحة الفئوية الخاصة ذات الطابع الأناني الجشع ، فالمواطنة تحول الصراع والتجاذب الداخلي بين الفئات والطوائف إلى طاقة وطنية موحدة مجتمعية تتنافس فيها المشاريع والبرامج لمصلحة المجتمع والدولة في المحيط الإقليمي والدولي...

نحن نرى بأن كافة الإشكاليات المعاشة إنما ظهرت بسبب وجود اختلال كبير في مفهوم المواطنة الصالحة والفعالة ، تلك المواطنة التي تقوم على قاعدة متوازنة ومتكافئة في الحقوق والواجبات لأعضاء الجماعة البشرية في الدولة ، وإذا كانت الواجبات تفرض على المواطنين الالتزام بدفع الرسوم والضرائب لتصب في ميزانية الدولة نظير الخدمات التي تقدمها كما تتطلب الواجبات الدفاع عن الدولة بأداء التجنيد الإلزامي والتضحية لها في الأزمات والكوارث الطبيعية والحروب ، فإن الحقوق التي تمنح للمواطنين من الدولة متعددة منها ما هو اقتصادي اجتماعي مثل (حق الملكية ، العمل ، الأجر) ومدنية مثل (حق الاجتماع ، الاعتقاد ، التعبير ، التنقل ، المحاكمة العادلة ، الحرية الشخصية) وسياسية مثل (الانتخاب ، الترشيح ، التنظيم السياسي).

وإذا كان الأساس الذي تقوم عليه المواطنة من الناحية القانونية مرتبطاً بحق الجنسية وما يترتب عليها من حقوق وواجبات ، فإن مسألة الانتماء والولاء بوجود مواطنين صالحين ليست مرتبطة بالجنسية أو بروابط العرق والدين والطبقة والمنطقة وبمعيار التواجد التاريخي ، بل تتوقف على وجود رابطة عضوية وطنية يلتقي فيها المواطنين وفقاً لقناعتهم وأفكارهم المشتركة وجهودهم العملية والمتواصلة لخدمة الوطن والسعي لاستقراره والحرص على آمنه ، فبرابطه العائلة والفئة والطائفة ينشغل المواطنين بالصراعات على الهيمنة والنفوذ والكسب الذي يحقق مصلحة الفئة على حساب المصلحة العامة وتدخل الدولة في دوامة التعصب والتطرف والإقتتال المتبادل ، أما برابطة المواطنة المدنية التي تقوم على المساواة والعدالة واحترام التعددية وخصوصية الآخر ، يتحقق التعايش والاندماج والتسامح والاستقرار...

ومع كل تمايزات المواطنة وثقافتها في كافة البلدان ، فلا يمكن أن تشرق شمس المواطنة دون منظومات ومطاليب تدور في فلكها ، فأولها تساوي قيمة المواطنين في الحقوق والواجبات بالتشريع والممارسة من الناحية الفعلية ، وأن تمنح مكانة المواطن وفقاً لكفاءته وإنتاجيته وإنجازاته وليس وفقاً لأصله ونسبه ولقبه ومعياره التاريخي ، وأن تلتقي وتتعايش مع ما يحصل في العالم الحديث من اهتمام عميق بقيم دولة القانون ومؤسسات المجتمع المدني وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة ، دون أن يمس هذا الإهتمام والتوجه الجوهري للمواطنة ، المكون الوطني والديني والثقافي لدي مجتمع من المجتمعات..

لذلك فإن الولاءات العرقية والأيديولوجية والدينية والتاريخية كما هو حاصل في الكويت بالوقت الراهن تمزق الوحدة الوطنية وتفكك الكيان الاجتماعي عبر كانتونات ودوائر فئوية لا يحصل المواطن على حقه إلا إذا برهن عن انتماءه لها على حساب المصلحة العليا بينما توحد المواطنة صفوف المواطنين بكافة أطيافهم وطوائفهم ليلتقوا مندمجين بصورة عضوية وفقاً لقناعاتهم وبرامجهم الوطنية المحضة...

 وكلما كانت ممارسة المواطنة وتطبيقها على أرض الواقع ، سليمة وإيجابية ومتسامحة وأقرب للعدالة الاجتماعية والمساواة ، كلما برزت معاني ومضامين الولاء والانتماء للدولة وتحققت مطاليب الاستقرار والتعايش والاندماج في أروع صورها ، وكلما تفرغ المواطنين للإبداع والابتكار والإنتاجية في خدمة الدولة والمجتمع والإنسانية قاطبة...

نحن لا نعتبر المواطنة بمثابة سلعة استهلاكية أو علبة دواء قابلة للاستيراد كما لا ندعي بأنها المفتاح السحري لأبواب المدنية الفاضلة المثالية لأن هذه المدينة المنشودة لا توجد إلا في المخيلة ، بل نقول إنها صمام أمان المجتمع والدولة ، وهي لا تشطب كل الإشكاليات الناتجة عن الشهوة والغريزة الإنسانية البدائية في صراعها على الثروات والمكاسب والنفوذ ، وإنما تساهم في تهذيبها وتوجيهها وتخفيضها لأدني حد ، وعليه فإنها (أي المواطنة) لا تخضع لقدر سكوني مستمر ودائم وإنما هي نتاج أنشطة وجهود متواصلة وفاعلية تقوم بها الجماعة البشرية في الدولة بتشريعاتها القانونية ومناهجها التعليمية وسياستها الإعلامية ، كما أنها سلوك مدني يومي للمواطن يمارس في المنزل والشارع والمدرسة والوظيفة ، وهي أيضاً مسؤولية رسمية (حكومية) ومسؤولية أهلية (مؤسسات المجتمع المدني) وفردية لصناع الرأي من كتاب ومؤلفين وقضاة وإعلاميين وناشطين في كل مجالات الحياة فيكاد أن لا يخلو حقل دون أن تكون للمواطنة بصمة إيجابية فيه...

بهذه الحالة لا يكون مطلب المواطنة مجرد خياراً بين عدة خيارات مختلفة متاحة بل هي الخيار الوحيد المصيري لحالة الفوضى والتمييز والعنف اللفظي والجسدي والقهر والفساد ومشاعر الخوف واستنزاف الثروات والانحدار ، فما هو معروف أن العنف والتمييز يولد نزعه انتقام وعنف مضاد له ربما لا تظهر في نفس الوقت وإنما تبقي مشاعر الظلم متراكمة ومكبوتة حتى تحين الظروف المهيأة والدافعة لانفجارها وما هو معروف أيضاً أن انتصار القوة لا يدوم وإن ارتسمت على المنتصر ملامح النشوة والانتصار لأن الثابت الوحيد في الكون هو التغيير مثلما تقول الحكمة الإغريقية ، كما أن حماية ورعاية الطرف الضعيف والأقليات والتمسك بقيم العدالة والمساواة وحقوق الإنسان ذات العلاقة الوثيقة بالمواطنة إنما هي بطريقة أو بأخرى حماية لحقوقنا بكافة أشكالها بما فيها الحقوق المدنية مثل الأمن الشخصي ، الاعتقاد ، المحاكمة العادلة ، التعبير وغيرها...